السلوك العصبي للمراهقين وتأثير التغيرات العصبية على الاندفاع

5 اسباب وراء السلوكيات الاندفاعية للمراهقين من منظور علم النفس العصبي

لا نتوقع من الثلج أن يحرق ولا من النار أن تبرد، فلماذا نتوقع إذن قرارات حكيمة دائمًا من المراهق؟ ولماذا نعتبر ميله للمجازفة خطأ فادح؟  دماغ المراهق لم ينضج بعد، وفهمه من منظور علم النفس العصبي ليس رفاهية بل حاجة ضرورية.

المراهقة هي مرحلة انتقالية، بين الطفولة والنضج، تمتاز بسلسلة من التغيرات البيولوجية والنفسية والاجتماعية. وهذه التغيرات المتزامنة لا بد أن تترك أثرها على السلوك. لذا فهم هذه التغيرات يساعد في تفسير الكثير من السلوكيات التي تميز هذه المرحلة العمرية، مثل: قلة التفكير بالعواقب، وحب الاستكشاف والمغامرة، والميل لخوض المخاطر والمجازفات، والعاطفة المشحونة، والحساسية المفرطة.

 

كيف تؤثر التجارب على دماغ المراهق ؟

تمتاز أدمغتنا بقدر من المرونة العصبية Neuroplasticity والتي تعني قدرة الدماغ على تعديل بنائه ووظائفه استجابةً للمدخلات الجديدة، مثل تعلم مهارة جديدة، أو حفظ معلومة جديدة، أو زيارة أماكن جديدة، أو حتى التفكير بفكرة جديدة. دماغ المراهق يتحلى بقدر عالٍ من المرونة العصبية Neuroplasticity والتي تتجلى بوضوح عبر عمليتين متكاملتين :

  1. تغيّر المادة الرمادية Gray Matter عن طريق تراجع في كثافة الاتصالات العصبية غير المستخدمة في مرحلة المراهقة عبر عملية تنقيح المشابك Synaptic Pruning. يؤدي ذلك إلى انخفاضٍ موضعي في حجم المادة الرمادية مع تقوية الاتصالات الأكثر فائدة. هذه العملية تجعل تعلم المهارات الجديدة سهلًا في غضون هذه المرحلة؛ فالمسارات العصبية المرتبطة بالمهارات المتدرّبة تتحسّن بينما المسارات غير المستخدمة تضعف.
  2. تغيّر المادة البيضاء White Matter عن طريق زيادة تغليف المحاور بالألياف الدهنية أو الميالين Myelination مما يرفع سرعة وكفاءة تبادل الإشارات بين مناطق الدماغ المختلفة، مثل مراكز المكافأة Reward System، مراكز العاطفة Limbic System، والقشرة التنفيذية أو القشرة الجبهية الأمامية Prefrontal Cortex.

 

للمراهقين فرصة فريدة لا تتوفر لغيرهم من الفئات العمرية بأن يؤثروا إلى حدّ ما في اتجاه نمو أدمغتهم، إذ يمكنهم تعزيز أنماط معينة لنشاط الدماغ، وبناء اتصالات عصبية جديدة من خلال تكرار سلوكيات مفيدة، وخوض تجارب إيجابية متنوعة.

يتضح دور الأسرة في هذه العملية عندما يتخذ المراهق قرارًا، يُنصح بتوجيهه إلى اتخاذ القرار بنفسه بعد تزويده بمصادر موثوقة لتقييم احتمالات نتائج قراره، ثم السماح له باتخاذ القرار وتجربة النتائج بنفسه. هذه الممارسة تدعم تشكيل وصلات عصبية جديدة مرتبطة باتخاذ القرار والتنفيذ الذاتي بالاضافة للوصلات العصبية الناتجة من خوض التجربة نفسها، أكثر من اتخاذ القرار نيابةً عنه.

علمًا أن العمليتين Myelination و Synaptic Pruning لا تحدثان تزامنًا عبر كل مناطق الدماغ؛ ففي حين تظهر حساسية وظيفية مبكرة في مراكز المكافأة Reward System، تستغرق القشرة الجبهية الأمامية Prefrontal Cortex وقتًا أطول لإكمال نضجها البنيوي والاتصالي، ولهذا الأمر آثاره الواسعة.

 

محركات سلوك المراهق.

من التغيرات المهمة في تشكيل السلوكيات المميزة في هذه المرحلة هي:

اولًا: القشرة الجبهية الأمامية Prefrontal Cortex

القشرة الجبهية الأمامية  Prefrontal Cortex هي مركز القيادة في الدماغ، أي أنها المسؤولة عن تخطيط وتنفيذ القرارات، في مرحلة المراهقة تكون خلايا وروابط هذه المنطقة ما تزال في طور إعادة التنظيم عبر عمليتي تنقيح المشابك Synaptic Pruning وزيادة الميالين Myelination. وهذا يفسر انخفاض قدرة التخطيط، وتقييم العواقب، وضبط الانفعالات لدى المراهقين. لذا نجد المراهق يتصرف باندفاعية في المواقف التي تتطلب تقييم سريع. ويتم ذلك بتأثير زيادة حساسية نظام المكافأة Reward System وانفعالية الجهاز الحوفي Limbic System ايضًا.

 

ثانيًا: نظام المكافأة Reward System والدوبامين Dopamine

نظام المكافأة Reward System هو مجموعة من المناطق الدماغية التي تستجيب للمكافآت والمحفّزات المُجزِية مثل المكافأة الاجتماعية، الطعام، أو الإنجاز.

الدوبامين Dopamine هو الناقل العصبي المركزي في هذا النظام، والذي يعمل كمؤشّر دافع ومكافأة، أي يزداد عند توقع مكافأة أو عند حدوثها، ويعدّل قيمة التجربة في الدماغ.

في مرحلة المراهقة تزداد حساسية هذا النظام بازدياد استجابة مناطق تحت القشرية مثل النواة المتكئة Nucleus Accumbens للمكافآت، فتجعل المحفزات أكثر جاذبية من ذي قبل.

كما أن إفراز الدوبامين وتعبير مستقبلاته Dopamine release and Receptor expression قد يصلان إلى مستوى أعلى مؤقتًا في فترة المراهقة، ما يعظّم تأثير المكافآت على الانتباه والسلوك.

وفي ظل عدم اكتمال نضج القشرة الجبهية الأمامية Prefrontal Cortex المسؤولة عن التخطيط والتحكّم في الاندفاع، تصبح الاستجابة للمحفزات المثيرة اكثر واسرع.

يتضح ذلك جليًا في ميل المراهقين للسلوكيات المحفوفة بالمخاطر عند تواجدهم وسط دائرة الأصدقاء لنيل اعجابهم؛ المدح والتعليقات الايجابية على سلوك معين تعزز مسار ذلك السلوك عبر إشارات الدوبامين فتزداد احتمالية تكراره، لذا نلاحظ أنه لا يكفي تحذير المراهق من المخاطر؛ لأن دافعيته العصبية قد تتخطى الخوف من العواقب، والأفضل هو إحاطته ببيئة آمنة تقدم مكافآت متسقة مما يوسع لديه المسارات المفيدة للسلوكيات المرغوبة، ويقلّل من الاعتماد على مصادر مكافأة خطرة

 

ثالثًا: الجهاز الحوفي Limbic System واللوزة Amygdala

الجهاز الحوفي Limbic System هو مجموعة المناطق الدماغية المسؤولة عن العاطفة والذاكرة.

اللوزة Amygdala  هي إحدى مناطق الجهاز الحوفي، مسؤولة عن معالجة العاطفة وتقييم التهديد وترميز الذكريات العاطفية.

في مرحلة المراهقة تزداد حساسية اللوزة Amygdala أي تصبح أكثر استجابةً للمنبهات العاطفية والاجتماعية فتبالغ في تمييز المواقف التي تحمل تهديدًا أو مكافأة. يؤدي ذلك إلى ميل للاستجابات الفورية أي ردود الفعل الانفعالية المشحونة بالعاطفة مثل الغضب أو الخجل، بالإضافة إلى زيادة الحساسية الاجتماعية التي تضخّم من الإشادة أو الرفض. يتضح انسجام التأثيرين عند مواجهة المراهق بانتقاد سلوك معين لديه، قد يضخم النقد ويأخذه بشكل شخصي (زيادة الحساسية الاجتماعية) ثم يرد بالهجوم على المنتقد (زيادة الحساسية العاطفية).

رابعًا: الميلاتونين Melatonin

الميلاتونين Melatonin هو الهرمون الاساسي الذي الذي يضبط توقيت النوم والاستيقاظ.

في مرحلة المراهقة يحصل تأخر في بداية إفراز الميلاتونين Melatonin وبالتالي يتأخر الشعور بالنعاس الطبيعي، مما يؤدي إلى صعوبة الاستغراق في النوم مبكرًا، وهذا يفسر رغبة المراهقين الملّحة بالسهر وممارسة جميع الانشطة ليلًا، ثم الشعور بالتعب والإرهاق طوال النهار. بالاضافة إلى ما يسببه التعب والإرهاق من زيادة الحساسية العاطفية والإنفعال وقلة التركيز أثناء أداء الواجبات، والرغبة بتعويض الجسم المتعَب عن طريق النوم طوال أيام العطل المدرسية على سبيل المثال.

خامسًا: الهرمونات الجنسية Sexual Hormons

ارتفاع مستويات الهرمونات الجنسية الإيستروجين والبروجستيرون Estrogen & Progesterone عند الإناث و التستوستيرون Testosterone عند الذكور بفعل إشارات من الغدة النخامية Pituitary gland. هذه الزيادة تحفّز تغيّرات جسدية واضحة مثل نمو الأعضاء التناسلية، وتغير توزيع الدهون والعضلات، ونضج الصفات الجنسية الثانوية Secondary sexual characteristics كما تعيد تنظيم دوائر عصبية في المخ فتؤخّر توقيت النوم، وتزيد حساسية الجهاز الحوفي Limbic system واللوزة Amygdala، وتُعزّز تفاعل نظام الدوبامين Dopamine system مع المكافآت.

في هذه المرحلة وتزامنًا مع هذه التغيرات يصبح المراهق أكثر وعيًا بمظهره، فيزداد اهتمامه بالعناية بالذات كوسيلة لتحقيق الإنتماء والقبول. ومع ارتفاع الحساسية العاطفية والحساسية الاجتماعية تزداد احتمالية الشعور بالقلق من النقد أو المقارنة بالآخرين، مما قد يؤدي إلى قلق اجتماعي أو انشغال مفرط بالمظهر.

ماذا يحتاج المراهق؟

في ظل هذه التغيرات العصبية الهامة  المشحونة بالعاطفة والانفعالات، يصبح بناء العادات والسلوكيات،مع نمو دماغ المراهق اسهل شرط تحقيق توازن يراعي حساسية نظام المكافأة ، نشاط الجهاز الحوفي، ونضوج القشرة التنفيذية.

اما اذا تم اهمال ذلك في مثل هذه المرحلة الحساسة، تزداد احتمالية ظهور الاضطرابات النفسية، مثل: القلق، والاكتئاب. ومن المهم معرفة أن المراهقين غالبًا يدركون أن سلوكهم محفوف بالمخاطر؛ المشكلة لا تكمن دائمًا في غير العقلانية، بل في أن المواقف المشحونة عاطفيًا تميل لأن تفوز فيها استجابات الجهاز الحوفي على ضوابط القشرة الجبهية الأمامية. لذلك، في قرار فوري وصعب عاطفيًا، قد يتصرّف المراهق معتمدًا بشكل أكبر على مشاعره، بينما عندما يواجه مسألة افتراضية أو أخلاقية هادئة يستطيع الاعتماد على التحليل والمعلومات المنطقية. كما أن هناك فروقًا فردية كبيرة في قدرة التحكم بالاندفاع ينبغي أن تؤخذ بالحسبان

 

فهم هذه الديناميكية من زاوية علم النفس العصبي ليس رفاهية أو أمرًا ثانويًا؛ إنه جزء مهم من حياة أي مراهق ليُدرك التغيرات التي تطرأ على مكونات دماغه ويستفيد من هذه المرحلة أقصى استفادة. وهو مهم أيضاً للأسرة لتفهم حاجة المراهق وكيفية استثمار هذه الفترة من حياته بتوجيهه لبناء سلوكيات حميدة، وتشجيعه على اتخاذ القرار، وترك السلوكيات الضارة بدلًا من مواجهتها بالغضب. فما فسّرتْه هذه الديناميكية يبيّن بوضوح أن المراهق يحتاج إلى دعم توجيهي لا إلى تحكم يكبح جماح مرحلته العمرية.

أين يكمن دور الأسرة في هذه المرحلة؟

تلعب الأسرة دورًا محوريًا في تشكيل الصحة النفسية للمراهق، فهي الحضن الأول الذي يوفر له الأمان العاطفي والاستقرار النفسي. أشارت بعض الدراسات إلى أنّ جودة أداء الأسرة في تعاملها مع ابنائها المراهقين ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرتهم على تطوير المرونة النفسية، وهي المهارة التي تمنحهم القوة على التكيف والتعافي من الضغوط والشدائد. وعلى العكس من ذلك، فإن ضعف الأداء الأسري لا ينعكس فقط على شخصيته داخل المنزل؛ نقص المهارات الاجتماعية والعاطفية لدى المراهق يجعله أقل قدرة على التعامل مع الأقران، وأكثر عرضة للاستغلال أو الإقصاء. نتيجةً لذلك، قد تظهر لديه بعض الأعراض السلبية مثل فقدان الثقة بالنفس والتي تستمر آثارها خارج حدود المنزل وخارج حدود مرحلة المراهقة في أحيان كثيرة.

 

الكتّاب

نور الهدى حسام جهاد

هاشم عادل

حيدر جليل وحيد

أحمد منعم عبدالعباس

وبالتعاون مع Scholar-path program (برنامج خاص لتمكين الشباب والناشئين من الابتكار والتطور باستخدام البحث العلمي)

تدقيق الاء رحيم

مصادر

Casey, B. J., Jones, R. M., & Hare, T. A. (2008). The adolescent brain. Annals of the New York Academy of Sciences, 1124, 111–126. https://doi.org/10.1196/annals.1440.010

Susman E.J. & Dorn L.D., “Puberty: Its role in development.” Handbook of Adolescent Psychology, 2017.

Vijayakumar N. et al., “Affective reactivity during adolescence: Associations with age, puberty and testosterone.” Cortex, 2019.

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11351858/pdf/behavsci-14-00664.pdf

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top